مجموعة مؤلفين

154

نهج البلاغة ، نبراس السياسة ومنهل التربية

وقد لخص الامام كل هذا بجملة واحدة بقوله عليه السّلام في رسالته الشهيرة إلى الأشتر النخعي : « والرد إلى الرسول ، الاخذ بسنته الجامعة غير المفرقة » أليس هاهنا جل الأسباب الرئيسية للخلافات والتفرق بين المذاهب الاسلامية سيما بين السنة والشيعة وهاهنا أيضا أعني في تفهم درس الامام هذا ، واستخلاص النتائج المنطقية . منه وسائل تسوية هذه الخلافات . ان الموضوع المفضل عند الامام وهو الذي لا يخلو منه خطبة ولا خطاب ولا رسالة ولا اي من تعليماته عليه السّلام ، ويشغل ثلثي نهج البلاغة على أقل تقدير ، هو التوحيد وتصور ذات اللّه تعالى وصفاته التي ضل فيها كثير من المتكلمين والفلاسفة المسلمين . وقد أفحم أمير المؤمنين في هذا الباب الماديين والدهريين القدماء منهم والمعاصرين ولم يترك لمتفلسف ولا متكلم لا معتزلي ولا أشعري الا لغو الكلام . ولقد وقع بعض الباحثين في خطأ فاحش حينما استدلوا باستمرارية صلاحية لغة نهج البلاغة وأسلوبه إلى التشكيك في صحة نسبته إلى الامام . فان هذه الظاهرة المتجلية حقا على صورة كلام الامام والتي نجدها على المعنى والمضمون اجلى وأصدق ، ترجع إلى حقيقة تاريخية أكيدة . الا وهي المنبع الإلهي المحمدي الذي كان الإمام علي يأخذ عنه مباشرة . والجهل بهذا الواقع أو تجاهله هو الذي أضل كثيرا ومنع كثيرا من المسلمين سنة وشيعة من الاستفادة بالكتاب والاهتداء به كما ينبغي لتحقيق وحدتهم الضرورية لا عادة مجدهم المنشود . يتناول الامام مثلا ، حالة العلماء والقضاة ومشكلة استقلال العلم والسلطة القضائية عن الحكم والحكماء في زمنه ، فلا تشك انه يصور الحالة البئيسة الراهنة التي نعيشها اليوم في كل بلدان العالم الاسلامي : « ترد على أحدهم القضية في حكم من الاحكام فيحكم فيها برأيه ، ثم ترد تلك القضية بعينها على غيره فيحكم فيها بخلافة ، ثم يجتمع القضاة بذلك عند الامام الذي استقصاهم فيصوب آراءهم جميعا » ( ص 51 - 55 من الجزء الأول ) . وفي ميدان العلوم السياسية والاجتماعية ، لم يشق بعد غبار « نهج البلاغة » . ففي رسالة عبد اللّه علي بن أبي طالب أمير المؤمنين عليه السّلام إلى واليه في مصر مالك بن الحارث الأشتر النخعي ، نرى عجب العجاب ، نرى كيف أن أفضل المتبحرين في هذا الميدان في كل انحاء الدنيا ، ما زالوا بعيدين جدا عن شأوه كرم اللّه وجهه ، : - تصنيعا وترتيبا في غاية من الدقة والصدق والشمول لكل الفئات العاملين